ولولا هذا لم تكن البغاة متأولين، بل كانوا ظلمةً ظلمًا صريحًا، وهم البغاة الذين لا تأويل معهم.
وهذا القدر من البغي بتأويل، وأحيانًا بغير تأويل يقع فيه الأكابر من أهل العلم ومن أهل الدين، فإنهم ليسوا أفضل من السابقين الأولين، ولما وقعت الفتنة الكبرى كانوا فيها ثلاثة أحزاب، قوم يقاتلون مع أَولى الطائفتين بالحق، وقوم يقاتلون مع الأخرى، وقوم قعدوا اتباعًا لما جاء من النصوص في الإمساك في الفتنة.
والفتن التي يقع فيها التهاجر والتباغض والتطاعن والتلاعن ونحو ذلك هي فتنٌ، وإن لم تَبلُغِ السيفَ، وكل ذلك تفرق بغيًا، فعليك بالعدل والاعتدال والاقتصاد في جميع الأمور، ومتابعة الكتاب والسنة، وردّ ما تنازعت فيه الأمة إلى الله والرسول، وإن كان المتنازعون أهل فضائل عظيمة ومقامات كريمة، والله يوفقنا لما يحبه ويرضاه، ولا حول ولا قوة إلا بالله»(28) .
وفي إطار التعاطي مع المسلم المعتقد غير الحق المجادل فيه؛ يذكر الشيخ رحمه الله فلسفته في ذلك: «فإن المبتدع الذي بنى مذهبه على أصل فاسد متى ذكرتَ له الحق الذي عندك ابتداء أخذ يعارضك فيه؛ لما قام في نفسه من الشبهة، فينبغي إذا كان المناظر مدِّعيًا أن الحق معه أن يبدأ بهدم ما عنده، فإذا انكسر وطلب الحق فأعطه إياه، وإلا فما دام معتقدًا نقيض الحق لم يدخل الحق إلى قلبه، كاللوح الذي كتب فيه كلام باطل امحه أولًا
