هجر القول ومستقبح الكلام، وليعدل إلى الكناية عما يستقبح صريحه ويستهجن فصيحه؛ ليبلغ الغرض ولسانُه نزِهٌ وأدبه مصون.
وقد قال محمد بن علي في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّواْ بِٱللَّغۡوِ مَرُّواْ كِرَامٗا﴾ [الفرقان: 72] قال: كانوا إذا ذكروا الفروج كنوا عنها.
وكما أنه يصون لسانه عن ذلك فهكذا يصون عنه سمعه، فلا يسمع خناء ولا يصغي إلى فحش، فإن سماع الفحش داع إلى إظهاره، وذريعة إلى إنكاره»(222) .
وميدان المناظرة هو ميدان للخصومة، ومن مقتضياتها تصغير الخصم وتحقيره واستفزازه وتبكيته وزجره، وقد قيل: «ما أغضبتَ رجلًا قط فسمع منك»(223) ، وقال الغزالي رحمه الله: «وأما إظهار الفضل فهو من قبل تزكية النفس، وهي من مقتضى ما في العبد من طغيان دعوى العلو والكبرياء وهي من صفات الربوبية، وأما تنقيص الآخر فهو من مقتضى طبع السبعية، فإنه يقتضي أن يمزق غيره ويقصمه ويصدمه ويؤذيه، وهاتان صفتان مذمومتان مهلكتان وإنما قوتهما المراء والجدال، فالمواظب على المراء والجدال مُقَوٍّ لهذه الصفات المهلكة وهذا مجاوز حد الكراهة، بل هو معصية مهما حصل فيه إيذاء الغير.
ولا تنفك المماراة عن الإيذاء وتهييج الغضب وحمل المعترض عليه على أن يعود فينصر كلامه بما يمكنه من حق أو باطل ويقدح
