عدم تلفظ أحدهم بمنعها على كل حال؛ وإنما عماد الأمر النظر إلى أفعال المتحدث؛ فلم نجد أحدًا ممن نقل عنه التنفير من الجدل والمناظرة إلا وقد نُقل عنه تلبسه بشيء من ذلك، وما تكاد تجد أحدًا أثنى على المناظرة وعدَّد فوائدها؛ إلا وقد أعرض عن بعض محاوريه وأحجم عن محاججتهم.
وإنما يعرض الخلل إذا وسَّع الناظر دائرة القول فجعله مذهبًا مطردًا معمولًا به لا تسع مخالفته، ثم شرع بالتصنيف مستندًا إلى تلك الأقوال فطردها وعنون: (مذهب المانعين) أو (مذهب المجيزين)، ثم استعمل تلك النصوص في عيب مخالفه؛ وتلك معضلة متكررة في الدراسات الحديثة وهي معللة بالجمود على الألفاظ وتعميمها دون مراعاة الخصوصية ولا سبر سير القائلين، وبحث هذا المسلك على أي حال خارج عن موضوع الكتاب.
والخلاصة التي نود أن نشير إليها في هذا الشأن؛ أنه لم يرد مدح للجدل أو ذم بإطلاق، وإنما يتعلق المدح والذم بأحوال مخصوصة تعرض للمتلبس به؛ يحمد لأجلها أو يذم، قال تقي الدين ابن تيمية رحمه الله: «وأما جنس النظر والمناظرة، فهذا لم ينه السلف عنه مطلقاً، بل هذا إذا كان حقًا يكون مأمورًا به تارة ومنهيًا عنه أخرى، كغيره من أنواع الكلام الصدق، فقد ينهى عن الكلام الذي لا يفهمه المستمع، أو الذي يضر المستمع، وعن المناظرات التي تورث شبهات وأهواء، فلا تفيد علماً ولا ديناً.
ومن هذا الباب أنه خرج صلى الله عليه وسلم على طائفة من أصحابه وهم يتناظرون في القدر، فقال: أبهذا أمرتم؟ أم إلى هذا دعيتم؟ وأن تضربوا كتاب
