يسكنها، وفيها ما قد يمنعه من أداء رسالة التبليغ، والتعليم، فرجع إلى السلطة الأم في المدينة، حتى وجهه عمر رضي الله عنه إلى الشام مرة أخرى بصلاحيات كاملة.
ومن المواهب الظاهرة عند عُبادة رضي الله عنه، تلك الفصاحة، التي هي أول مقومات البلاغ، والتي كان يجادل بها مُقنعا بالحجج والأدلة، وقد سبقت مواقفه مع معاوية رضي الله عنهما، ومراجعته لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو أفقه الناس، في إباحته لشرب الطِّلاء لأهل الشام، وهذه القوة في الحجة، وفي الشخصية بصفة عامة، قد انعكست على تقواه فلم تكن مشوبة بنوع من الجزع، أو طول التباكي، فقد كان وهو على فراش الموت صلبا قويًا: قوة يقين، وقوة إرادة، وقوة ثقة بالله.
عَنْ الصُّنَابِحِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي الْمَوْتِ، فَبَكَيْتُ، فَقَالَ: مَهْلًا، لِمَ تَبْكِي؟ فَوَاللهِ لَئِنْ اسْتُشْهِدْتُ لَأَشْهَدَنَّ لَكَ، وَلَئِنْ شُفِّعْتُ لَأَشْفَعَنَّ لَكَ، وَلَئِنْ اسْتَطَعْتُ لَأَنْفَعَنَّكَ(250) .
وقد يرى البعض بعد كل ذلك، أن كونه معلما هو أيضا صفة مشتركة، سبقه بها، غيره من الصحابة، وهنا لابد أن تتوجه أنظارنا إلى نقطة أخرى فيها تميُّز أكبر، فالمُتأمِّل يجد أن الناس ظلوا يتذاكرون مواقفه في قول الحق أمام أصحاب السطوة والنفوذ، فيسأل سائلهم مُتعجبا: هل قال ذلك فعلا؟
